عُهدة ميرىThis is a featured page





عُهْدَه مِيرى


عُهدة ميرى - Samir Aser_Void UntruthS





ارتدى بذلته الرمادية الجديدة بفرح ؛ وقد ارتسمت على وجهه سيمات البهجة والإنشراح ؛ فهى أول بذلة كاملة يرتديها ؛ وقد فضّل ذلك اللون الرمادى على غيره من الألوان . ألقى نظرة أخيرة على هندامه ، وعدّل من رباط عنقه ؛ وانطلق ليلحق بصحبته الرائعة ؛ تلك المجموعة الفريدة من المُحامين الشُبّان فى بِذاتهم الرمادية الأنيقة ونَظّاراتهم السوداء ؛ المسْكونين بحب الوطن ؛ المتحمسين دوماً لقضايا الإصلاح الوطنى . كم يحب جرأتهم فيما يطرحونه من آراء ونقدهم الحاد للأحوال العامة . لم يعد ينقصه سوى النظارة السوداء يخفى بها عينيه ، وجهاز الموبايل برناته الساحرة ؛ لتكتمل هيئته وتنتظم ؛ ولا يبدو بينهم كبقعة شاذة فى لوحة جميلة .
كان للبذلة الرمادية الكاملة ورباط العنق الأنيق تأثيرهما الإيجابى ؛ فما كاد أن يستقر به المقام بينهم ؛ حتى انطلق فى عبقرية وثقة يبدى آراءه السياسية ، ووجهة نظره الثاقبة لمثالب الحاضر ؛ وآمال المستقبل ؛ استعرض بمهارة وحذق كل ماتعلمه من نظريات القانون الدستورى ؛ لم يقطع عليه حديثه سوى الرنات الموسيقية العذبة التى تنطلق بين الفينة والفينة من أجهزة المحمول التى يحملها رفقاؤه .
لكم تمنى فى ذلك الوقت أن يكون فى حوزته موبايله الخاص ، تنبعث رناته ؛ يُخرجه من جيب الجاكت الداخلى ؛ يعبث به ؛ يضعه على المائدة أمامه ؛ بجوار أجهزة الموبايل الأخرى لرفقائه ؛ وكعادته جلس أستاذه المخضرم ؛ لا تفارق الإبتسامة شفتيه دون أن ينطق بكلمه واحده ؛ إلاّ أنه بعد أن انفضت تلك الجلسة الثورية الصاخبة ، ربت على كتفه ونظرة اشفاق تطل من عينيه ، وهمس فى لهجة ساخرة :
- مبروك عليك البدلة الجديدة .
اضطرب لنظرة الإشفاق تلك ورنّة السخرية الواضحة ؛ ولكنه سرعان ما استعاد ثقته الكاملة فى نفسه وشعور وطنى جارف يجتاحه ؛ قام يعدّل من هيئته ؛ ودخل المحكمة لإنهاء أعماله ؛ يمشى فى ردهاتها بوقار وخُيلاء .
انتهى من أعماله ؛ واتجه إلى بيته ؛ ولم يكد يستقر بالبيت ؛ وقبل أن يخلع عنه بذلته الرمادية الأنيقة ؛ رن جرس التليفون :
- أفندم .
- الأستاذ حماده المحامى .
- أيوه مين ؟ .
-مُساعد أول/ محمد الأشمونى.... مباحث أمن الدولة .
ومرت ثوان كأنها دهر .
- عايزينك تشرّفنا فى المكتب شويّه.... عارف المكتب .
- أيوه... خير هو هو هو هوه فيه ايه ؟ .
- اطّمِّن يا أستاذ ... مافيش حاجه .
وبلهجة حاسمه :
- دلوقت لو سمحت.... مِسْتَنِّيك ماتتأخّرش .
وضع سماعة التليفون ؛ وتحرك حركات عشوائية سريعة مضطربة ، اتجه يميناً ؛ و عدل يساراً ؛ عاد لجهة اليمين مرة أخرى ؛ ثم وقف حائراً بلا حراك ؛ انقبضت نفسه بشدة ؛ وحطّ عليه همّ ثقيل؛ نسى أنه محام... نسى القانون.... نسى كل شىء ؛ كلمة واحدة تتردد فى نفسه ( مباحث أمن الدولة ) ؛ انهارت كل دفاعاته النفسية... الإتهام يغزوه ؛ يحيط به يكبّله... إنه مُتّهم... متهم... نعم متهم ، ومُدان..... سيُحبس ويُهان ؛ وتجمّع فى مخيلته كل ماسمع عنه ، وقرأه فى صحف المعارضة عن التعذيب والتنكيل بسجناء الرأى ؛ شعر بالصفعات تنهال على وجهه وقفاه ؛ أحس بلسع الكرابيج تشق لحم ظهره ؛ تجمعت الدماء برأسه ؛ وقد جحظت عيناه وهو معلق من رجليه كالذبيحه ؛ رفع رأسه من الماء ينفضه وهو يشهق و يلتقط أنفاساً متقطعة ؛ أحد الأوغاد ينتهكه .....
ارتعد جسدُه كلُّه..... أين المفر ؟! ؛ وشعر بالقيد الحديدى يضغط على معصميه .
خرج من البيت ؛ تجنب الشوارع الرئيسية ، لايريد أن يراه أحد ؛ واتخذ سبيله فى الشوارع الخلفية ؛ وقد طفا عقله فوق بحيرة زيتية ساكنة . وصل أخيراً إلى حيث مقرمكتب مباحث أمن الدولة خارج البلدة ؛ تحيط به أشجارالكافورالعملاقة كالمُردة ، ويخيم صمت القبور على المكان .
مشى فى الممر الذى يخترق الحديقة المنسقة ؛ ولم ينس أن يلقى بالتحية باحترام إلى جندى الحراسة الواقف فى الكشك الخشبى على يمين الداخل ؛ وقد أحس بهيبته فى ملابسه العسكرية كاكية اللون وبندقيته الآلية ذات السونكى اللامع . صعد السلم درجة درجة ببطء وتثاقل ؛ ودخل من الباب المفتوح فى الدور الأول ؛ لتصدم عينيه اللوحة المكتوبة على الغرفة المغلقة فى مواجهة الداخل ( رئيس مباحث أمن الدولة ) ؛ انتبه لرجل قصير القامة أشيب الشعر ذى وجه تبدو عليه أمارات الطيبة ؛ يرتدى الملابس المدنية :
- أهلا أستاذ حماده .... اتفضل... اتفضل .
وصحبه ليُجلسه فى غرفة استقبال بسيطة ؛ قد تناثرت بها المقاعد الخشبية .
- ح ح حضرتك المُساعد/ محمد الأشمونى .
- أيوه... أنا المُساعدأول/ محمد الأشمونى... تشرب ايه يا أستاذ/ حماده .
- لأ لأ متشكر.... مافيش داعى .
- لأ إزّاى ؛ دا انت أول مرة تشرّفنا.... تشرب شاى .
ورفع صوته :
- اسماعيل.... اعمل شاى للأستاذ.... سُكّرك ايه يا أستاذ / حماده .
- متشكر قوى قوى... مش عايز شاى .
- عامل ايه يا أستاذ/ حماده ... كيف أحوالك... الشُّغل تمام فى المحكمة ؟
- الحمد لله... أ... أ... أنااااااااا....
- انت استاااااااذ .
وهز رأسه تأكيداً لكلمة أستاذ ؛ ثم أردف :
-أستااااااااذ.... على كل حال أنا مش عايز أعطلك .... اتفضل معايا .
- خ خ خير.... هوه فيه ايه ؟ .
رد عليه وهو يصحبه إلى حجرة داخلية ضيقه :
- لا مافيش.... مجرد إجراءات روتينيه... لوسمحت البطاقه الشخصية .
مد يده له بكارنيه نقابة المحامين ؛ نظر فيه الأشمونى وانفرجت شفتيه بابتسامة عريضه :
- لأ البطاقة لو سمحت .
أخرج بطاقة الرقم القومى ؛ وضعها أمامه على المكتب الحديدى الصغير ؛ وانهمك الآخر واقفاً وبهمة جادة ملأ بيانات حماده الشخصية فى عدة نماذج مطبوعة أمامه ؛ ولما فرغ منها ؛ طلب منه التوقيع :
- بلاش الفِرْمَه.... أيوه ... باسمك الرباعى.... معلش يا أستاذ ؛ هيه مجرد إجراءات ومطلوبه ..... ايدك لوسمحت .
وترك له يده ؛ ليمسك الآخر بأصابعه بإحكام اصبعاً اصبعاً؛ يدهسه فى الزفت الأسود على رخامة صغيرة ؛ ويبصم به الأوراق ؛ ثم يجمع أصابعه دون الإبهام ويكرر نفس العملية على كل ورقه ؛ وينتهى بابهامه .
انتهت عملية أخذ البصمات ؛ وأعطاه قطعة صغيرة من القماش تنبعث منها رائحة الكيروسين النفاذه :
- نَضّف صوابعك يا أستاذ .
وينظف حماده أصابعه المرتعشة ؛ وهو لايصدق مايحدث له .
- حماده بيه... احنا متشكرين جدا.... عطّلناك ؛ ممكن تتفضل احنا عارفين ان وراك اشغال كتيره .
- أأمشى ؟ .
- من غير مطرود.... شرّفتنا يا أستاذ.... آه على فكرة ؛ تليفون المكتب أهوه ؛ لو عُزْت أى حاجه... احنا تحت أمرك .
وناوله قصاصة ورق مسجّل بها رقم التليفون ؛ أمسكها حماده ووضعها بجيب الجاكت الداخلى بحرص .
نزل السلم وهو لايكاد يصدق أنه قد أفلت من قبضة مباحث أمن الدولة ؛ تحسس معصميه ؛ ولم ينس أن يلقى بالتحية باحترام إلى جندى الحراسة .
مشى ببطء ؛ وما ان ابتعد عن مكتب مباحث أمن الدوله حتى تنفس الصُعداء ؛ وعرج على أول محل صادفه ؛ واشترى نظارة سوداء وضعها على عينيه .
لم ينم فى تلك الليلة ؛ تناوبته الأفكار السوداء تنهشه نهشاً ؛ أحجم عن الاتصال بأحد من رفقائه ذوى النظارات السوداء ؛ فقد أيقن بأن تليفونه قد وُضِع تحت المراقبة ؛ وماإن أسفر الصباح ؛ حتى ارتدى بذلته الرمادية الأنيقة ؛ ولم ينس أن يضع النظارة السوداء فوق عينيه ، واتجه نحو المحكمة .
جلس فى المكان المعتاد بالمقهى الخاص خلف المحكمة ؛ ينتظر أن يهلّ عليه رفقاؤه ؛ ورغبة فى البوح تلح عليه . انتظر كثيرا ؛ ولم يظهر منهم أحد ؛ أخيراً هلّ أستاذه المخضرم يمشى بتؤدة باتجاهه ؛ وجلس باعياء واضح :
- آآآآآآآآآ خ .....صباح الخير يا حماده بيه .
- صباح الخير يا أستاذى... أنا ....أنا اتفيشت امبارح .
انبعثت الرنات الموسيقية المميزة لموبايل أستاذه ؛ وانشغل الأخير فى النظر إلى رقم الطالب ؛ وأغلق تليفونه دون أن يرد ؛ نظر حماده إلى أنامله ؛ مازالت بها آثار سوداء ؛ وتنبعث منها رائحة خفيفة من الكيروسين ؛ ثم ردد :
- أنا إتْفَيِّشْت امْبارح .
- هه... اتفيشت ! .
- أيوه.... عملولى فيش وتشبيه... فى مباحث أمن الدوله .
تراجع أستاذه بظهره للخلف ؛ ودون أن ينظر إليه قال :
- المهم إنك بخير.... ماتفكّرش فى الموضوع ده كتير.... عادى .
وشاهد رفقاءه يقدمون فى اتجاههم ؛ فمال عليه هامساً :
- بَلاشْ تقول لأحد.... مافيش داعى .
وأقبل الرفقاء ببذاتهم الرمادية ؛ ونظاراتهم السوداء ؛ ووضع كل واحد منهم موبايله على المائدة أمامه ؛ وبدأوا يصخبون ويتناقشون ويتجادلون ؛ ينتقدون كل شىء ، ويسبُّون الحكومة ومجلس الشعب ؛ بينما قبع حماده فى مكانه صامتاً ؛ يتلفت حوله من آن لآخر قلقاً مشفقاً ؛ يتصفح وجوه الجالسين حولهم وعلى مقربة منهم .
انفضت الجلسة الثورية ؛ وضحك أستاذه ضحكة مُتعبة ؛ وأخذ موبايله يعبث به ؛ وناوله لـحماده ؛ نظر إليه الأخير مستفسراً :
- شوف .... اسمع.... حط التليفون على ودنك واسمع .
وضع التليفون الصغير بالقرب من أذنه ؛ سمع حديثاً مختلطاً لم يتبينه ؛ ثم اتضح له الأمر؛ لقد سُجّلت كل كلمة تفوه بها كل من كان بالجلسة . ناول أستاذه تليفونه ؛ وتجهم وجهه ولم ينبس بكلمة . نظر بطرف خفى نحو أستاذه ؛ واستأذن بالإنصراف .
اتجه ماشياً نحو بيته وهو تائه تماماً ؛ وما إن دخل البيت ؛ حتى ارتمى منهكاً على سريره دون أن يخلع عنه بذلته الرمادية الأنيقة ، يُحدّق من خلال نظارته السوداء فى سقف الحجرة ؛ ومالبث أن قفز مذعوراً على رنين جرس التليفون؛ نظر إلى التليفون فى قلق بالغ ؛ وتردد فى رفع السماعه ؛ ولم يلبث أن رفعها :
- أفندم .
- أستاذ حماده .
- مممين يافندم ؟ .
- قوام نسيت صوتى.... مُساعدأول/ محمد الأشمونى.... انشالله تكون بخير يا أستاذ حماده .
- الحمد لله بخير .
- عايزينك يا حماده بيه.... خمس دقائق... مش هنأخرك .
- حاضر .
انتهى به الطريق سريعا حيث مكتب مباحث أمن الدولة ؛ ولم ينس أن يلقى التحية باحترام إلى جندى الحراسة ؛ وصعد السلم .
قابله المساعدأول/ محمد الأشمونى مرحباً :
- أهلا يا أستاذ.... اتفضل .
جلس أمام المكتب الصغير ينتظر حتى فرغ الأشمونى من كتابة نموذج خاص ؛ وضعه أمام حماده ؛ وابتسم ابتسامة عذبة ؛ وقال له فى ود بالغ :
- وقّع يا أستاذ حماده .... باسمك الرباعى هه .
فنظر إليه الأخير مستفسرا ؛ فأخرج الأشمونى من درج مكتبه جهاز موبايل جديد يتألق فى غلافه الجلدى الفاخر ؛ وضعه فوق المكتب بجوار الورقة :
- وقع يا أستاذ.... إمضى بالاستلام .
أمسك حماده بالقلم ؛ وكتب اسمه رباعياً .
- تماااااااام اتفضل يا أستاذ ... نفس الموديل إللّى مع زمايلك ... اتفضّل .... حُطه فى جيبك يا حماده بيه .
وضع حماده جهاز الموبايل بحرص فى جيب الجاكت الداخلى .
- ممكن تتفضل من غير مطرود.... شرفتنا يا أستاذ حماده .
وقف حماده ببطء ؛ ودار على عقبيه ؛ وخرج كالمسحور ؛ من مكتب مباحث أمن الدولة .
نسى أن يلقى بالتحية على جندى الحراسة ؛ وقبل أن يبتعد عن مكتب مباحث أمن الدولة بخطوات ؛ انبعثت الرنات الموسيقية الساحرة ؛ فمد يده باضطراب وأخرج الموبايل ووضعه على أذنه ؛ ليميز صوت الأشمونى قائلا له بود بالغ :
- أستاذ حماده الجهاز ده عُهْدَه مِيرى .




Samhoras
Samhoras
Latest page update: made by Samhoras , Jul 29 2007, 1:45 PM EDT (about this update About This Update Samhoras Edited by Samhoras

1 image added

view changes

- complete history)
Keyword tags: None
More Info: links to this page

Anonymous  (Get credit for your thread)


There are no threads for this page.  Be the first to start a new thread.