Version User Scope of changes
Jul 29 2007, 7:23 AM EDT (current) Samhoras 1407 words added, 1 photo added
Jul 29 2007, 7:06 AM EDT Samhoras

Changes

Key:  Additions   Deletions

كادَ أن يخرق الأرض

كادَ أنْ يخرق الأرض - Samir Aser_Void UntruthS




التف حوله الزملاء يهنئونه ؛ فهو الوحيد من بين دفعتهم الذى انتقل إلى تقييم ( طيار درجة ثانية ) ؛ وقف بينهم منتفشاً كالديك الرومى ، تملأه الثقة ويبدو الفخار على وجهه . ، كان من أمهر الطيارين وقد أظهر براعة فائقة فى تدريبات القتال الجوى ؛ تقدم إليه صديقه اللدود يقبله فى ودٍ ومداعباً : ( بس لو تشيل اسم يورى جاجارين من على الكراش ( خوذة الطيران ) . ضم خوذته إليه ورد : ( يا جاهل دا أول رائد فضاء ).
فانبرى له صديقه بلهجة ساخرة : ( دا مات فى حادث طائرة صغيرة تافهه ). ثم أردف : (والبعيد كان ابن حرام مُلحد ) . ثم مقلداً قائد السرب : ( الله يرحمه ... كان حمار ! ) ؛ وارتفعت ضحكات باقى الزملاء من قلوبهم صافية بريئة . كانوا يعشقون قائد سربهم بطل حرب الإستنزاف ونجم حرب أكتوبر المجيدة ، كان كلما وقع حادث مميت لأحدهم - ولاتقل خسائر التدريب القتالى عن خسائر الحرب الحقيقية إلا قليلا - هبَّ فيهم ؛ وأشلاء زميلهم لم تُلَم بعد قائلا : ( الله يرحمه ... كان حمار ! ) ؛ ثم يطير منفرداً ويقدم عرضاً جوياً بارعاً لايستطيعه غيره برغم تقدمه فى السن ؛ وفور هبوطه يصيح بهم :( يالله .. يالله .. كل واحد على طيارته ؛ وهقعد لكم فى برج المراقبة ؛ وعايز اتفرج ) ؛ كان ، وهو الخبير، يعرف جيدا كيف يكسر الحاجز النفسى الذى تسببه مثل هذه الحوادث .
تحسس الأيقونة الزرقاء التى تحمل رقم/2 يعلوها جناحى الصقر ؛ المثبتة على صدره ؛ ونظر إلى صديقه اللدود ، فلمح دبلة فضية تبرق حول بنصره الأيمن فوجه إليه الحديث قائلا : ( دا امتى حصل الكلام ده ... ماعزمتناش يعنى ). فرد عليه صديقه مبتسماً فى حرج :( الأمر تم بسرعه .. العقبى لك ). فرد مؤكدا :( لا ... الطيارة هى معبودتى الوحيدة ). فضحك صديقه وقال :( بس دى مش هتجيبلك عيال) . وتعالت ضحكات الزملاء مجلجلة ؛ إلا أنهم سادهم الصمت المطبق فجأة ؛ وهبوا وقوفاً عند دخول قائد السرب الذى أخذ مكانه أمام المدرج الصغير ؛ وأخذ يتفرس فى وجوههم ؛ ثم أشار إليهم للقعود ؛ وبدأ فى تلقين ماقبل الطيران : ( النهاردة إن شاء الله هنطير طلعة ارتفاعات عاليه هاى ليفلز ، علشان نجيب الـ ماكسيموم سيلينج ، أقصى ارتفاع تصله الطيارة ، والوصول للسقف العملى فى أسرع وقت وبأقل كمية وقود ممكنة ؛ والتعود على التحكم فى الطائرة على الإرتفاعات العالية... ) ؛ ومضى قائد السرب فى التلقين ؛ ثم نكس رأسه صامتاً لثوانٍ ؛ ثم رفع رأسه وقال : ( الكلام ده يتنفذ بمنتهى الدقة ، ولازم تدى لنفسك براح ؛ يعنى بلاش توصل للحدود القصوى؛ الطيران تحت تسعة كيلومترات حاجة وفوقها حاجة تانية ؛ السرعة لو زادت عن المقرر أجنحة الطيارة هتستأذن وتسيبك ، وهتلاقى نفسك راكب ماسورة وبتغنى ظلموه ؛ وذى ماقولنا لو حد النوز بتاعه ( مقدم الطائرة ) نزل تحت الأفق بزاوية خمسة وعشرين درجة وسرعته أكثر من سرعة الصوت ؛ هيبقى من الصعب جدا انه يطلّع الطيارة من الوضع ده ؛ وهيرشق فى الأرض زى المسمار هيجيب بترول ؛ ويبقى الله يرحمه ) ؛ أمسك الطيارون شفاههم ؛ حتى لاتتسع ابتساماتهم وهم يكملون فى سرهم (... كان حمار ) .
نظر إليهم قائد السرب بعينيه الشبيهة بعينى الصقر هاتفا ( لا إله إلا الله ) ؛ ورد الطيارون بتلقائية جادة ( محمدٌ رسول الله ) .
جاء طبيب السرب البدين ذو الوجه الأحمر ؛ يحمل له أحد الجنود حقيبته ؛ وأخذ فور وصوله فى اجراء الكشف الطبى ( فحص ماقبل الطيران ) ؛ وهو يمازح الطيارين فرداً فرداً ؛ فك رباط قياس الضغط عن ساعده وقال له : ( نبضك تمام ، ضغطك تمام ؛ كله تمام يابطل ؛ مبروك عقبال كاتيجورى وان تتعلّق على صدرك ) . رد عليه : ( شكرا دكتور ).
ابتسم الطبيب وقال له مازحا : ( اوعى يطلعلك عفريت فوق ) . وقهقه بطيبة . أما هو فابتسم فى برود .
وبدأ فى ارتداء بدلة الطيران الخاصة بالارتفاعات العالية الشبيهة بملابس رواد الفضاء ؛ ثم نظر باعجاب واضح إلى صورته المنعكسة فى المرآة الكبيرة باستراحة أول الممر . وانطلق بالعربة الجيب إلى طائرته الحربية الحديثة . دار حول الطائرة بخُيلاء يتفحصها بوَلَهٍ وخبرة يطمئن إلى سلامة جسمها وأسطح التحكم الخارجية . أعتلى سلم الطائرة ، وأخذ مكانه فى الكابينة ؛ وبادر الفنى المختص بمعاونته فى ربط الأحزمة وهو يتأفف منه : (خلاص .. خلاص انزل وشيل السلم )؛ فرد عليه الفنى العجوز المخضرم : ( ترجع لنا بالسلامة يافندم )
فنظر إليه بعسكرية قاسية ؛ نزل العجوز وقال وهو يزيح السلم بعيدا : ( قل يااااااارب ) .
أدار محرك الطائرة ؛ وبعد أن اختبر أداءات المحرك وعداداته طلب الإذن بالتدحرج لأول الممر ؛ ومن ثم طلب الإذن بالاقلاع . أمسك بفرامل الطائرة جيدا وفتح خانق الوقود حتى آخره ؛ وترك الفرامل ، ثم عاجل بفتح الحارق الخلفى الإضافى ليخرج لسانٌ طويلٌ من اللهب خلف الطائرة التى اندفعت بسرعة صاروخية متسارعة تلتهم الخطوط البيضاء التهاماً ؛ يرفع مقدمها بزاوية خاصة ؛ لترتفع الطائرة بعد ثوان فى الجو مزمجرة ؛ يرفع عجلاتها ؛ وبمهارة ينفذ كل ماتعلمه فى التلقين ؛ وقد ارتفع مقدم الطائرة فوق الأفق بزاوية تزيد قليلاً عن خمسة وأربعين درجة ؛ فشعر وكأنه يركب صاروخا يتجه به نحو السماء . وكان من الصعب عليه وهو فى هذا الوضع أن يرى الأرض إلا إذا أمال أحد الأجنحة . أخيرا وصل إلى أقصى ارتفاع عملى للطائرة واحد وعشرون كيلومترا محسوبا من فوق سطح البحر ؛ إلا أنه أخذه الحماس فاستمر فى الصعود حتى لم تعد الطائرة تستطيع الارتفاع سنتيمترا واحدا ؛ وبدأ يتجول بها على هذا الإرتفاع الشاهق بسرعة تتجاوز ضعف سرعة الصوت ؛ كانت الطائرة مائعة فى طيرانها ، واستجابتها بطيئة ، وتحتاج إلى أن يقبض على عصا القيادة باحكام . وعلى هذا الإرتفاع ومن مكان طيرانه ؛ زُوِِيَت له الأرض ؛ فشاهد البحرين الأحمر والأبيض المتوسط ؛ بل وأراضى المملكة العربية السعودية ؛ يكاد يرى مصر وكأنها مجرد خريطة رُسمت تحته ؛ وتبدو السحب تحته بعيدة وكأنها نتفاً من القطن بيضاء متناثرة .
أمال طائرته قليلا وأخذ يتأمل الأرض ؛ إن الجبال لايميزها عن أرض البسيطة وتعجب فى نفسه ( أين الجبال ؟! إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا - هاأنذا قد جاوزتها بمراحل ) . أحس بطائرته تهتز ؛ لمح عداد السرعة ؛ وجد أن سرعته قد جاوزت السرعة العملية للطائرة .. (أجنحة الطائرة ستنفصل) ؛ ويأتيه صدى صوت قائد السرب يتردد عبر الفضاء( هتلاقى نفسك راكب ماسورة ) ؛ اضطرب اضطراباً شديداً فهو يعلم أنه لو أغلق خانق الوقود سيقف المحرك ؛ ولايستطيع تقليل السرعة برفع مقدم الطائرة التى لن تستجيب له بعد أن تجاوز كل الحدود ؛ وبسرعة ضغط زر الفرامل الهوائية ؛ ليندفع بجسمه إلى الأمام بفعل القصور الذاتى وتكاد أحزمة الكرسى تخلع كتفيه ؛ وتفلت منه عصا القيادة ؛ ويتجه مقدم الطائرة نحو الأرض ؛ ويتناقص ارتفاعه بشكل رهيب ؛ قلت سرعته ولكنها مازالت تتعدى سرعة الصوت ؛ حاول تعديل وضع الطائرة من وضع الإنقضاض هذا إلا أن عصا القيادة تحجرت تماما ؛ ويدوى فى أذنيه صدى صوت قائد السرب ( وهيرشق فى الأرض زى المسمار ؛ هيجيب بترول ) ؛ مازال يهوى وتقترب الأرض وتتسع رقعتها .
(إنه سيخرق الأرض . إنه سيخرق الأرض ) . غامت الدنيا فى عينيه ؛ ولم ير سوى حياته كلها تتتابع فى ثوانٍ أمام ناظريه فى شريط سينمائى طويل ... وتتتابع وجوه زملائه وتأتى أصواتهم وكأنها تخرج من جهاز ستريو فضائى ضخم .. ( ألف مبروك ... البعيد كان ابن حرام ملحد ... الله يرحمه كان حمار . بس دى مش هتجيبلك عيال .... اوعى يطلعلك عفريت فوق ....
ترجع لنا بالسلامة يافندم ... قل يااااااارب )
وفى لحظة خاطفة أمسك بعصا القيادة بكلتا يديه ؛ وكل ذرة من كيانه تصرخ ( يااااااارب)
؛ فاذا بالطائرة تخرج من وضع الانقضاض ويرتفع مقدمها إلى أعلى ؛ وتبدو وكأنها قد انعدمت حركتها لثانية ليشاهد حوله غبارا كثيفا ؛ قبل أن تعلو الطائرة ببطء مبتعدة عن الأرض ؛ ( يا الله لقد خرجت الطائرة من هذا الوضع القاتل وهى تكاد تلامس الأرض ) .
طلب الاذن سريعا بالهبوط ؛ وهبطت الطائرة تجرى على الممر . نزل من الطائرة وركب العربة الجيب التى أوصلته إلى استراحة أول الممر ؛ كانت خالية فلم يهبط زملاؤه بعد ؛ تهالك على أول فوتيه صادفه ؛ وقد توقف عقله عن التفكير ؛ وإذا بكل جسمه ينتفض بعنف ويرتعش لا إراديا بشدة وتصطك أسنانه بقوة وبصوت عال مسموع ، تكاد تتكسر ؛ قام بصعوبة مترنحاً متخبطاً فى الأشياء والجدران يخلع عنه خوذته ، ينحيها عنه ؛ يدلف إلى داخل الحمام ويفتح الدش البارد فوق رأسه وهو بكامل ملابسه الفضائية ينتحب بصوت متقطع مرتعش تتخلله الشهقات ويردد خلال أسنانه المصطكة :
أشهد أن لا إله إلاّ الله ؛ وأشهد أن محمداً رسول الله